ابن عجيبة
543
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أهل الفساد ، أو بإصابة رأيها ، فإنها كانت تقول لإبراهيم : اضمم إليك لوطا ، فإني لأعلم أن العذاب نازل بهؤلاء القوم . وقيل : معنى ضحكت : حاضت . يقال : ضحكت الشجرة : إذا سال صمغها . وقيل : ضحكت سرورا بالولد الذي بشرت به . فيكون في الكلام تقديم وتأخير ، أي : فبشرناها فضحكت ، وهو ضعيف . قال تعالى : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ولد ولدها . وتوجيه البشارة إليها ؛ لأنه من نسلها ، ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد ، قالَتْ يا وَيْلَتى ؛ يا عجبا ، وأصله في الشر ، فأطلق على كل أمر فظيع . وقرىء بالياء على الأصل ، أي : يا ويلتي أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ابنة تسعين ، أو تسع وتسعين وَهذا بَعْلِي : زوجي ، وأصله : القائم بالأمر ، شَيْخاً ؛ ابن مائة أو مائة وعشرين سنة ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ يتعجب منه ؛ لكونه نشأ الولد من هرمين . وهو استغراب من حيث العادة ، لا من حيث القدرة ، ولذلك قالوا : أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ؛ منكرين عليها ، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة ، ومهبط الوحي ومظهر المعجزات . وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع ، ولذلك قالوا : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ أي : بيت إبراهيم ، فلا تستغرب ما يظهر منهم من خوارق العادات ، لا سيما من نشأت وشابت في ملاحظة الآيات ، إِنَّهُ تعالى حَمِيدٌ ؛ فاعل ما يستوجب به الحمد ، أو محمود على كل حال ، مَجِيدٌ ؛ كثير الخير والإحسان . أو ممجّد بمعنى العلو والشرف التام . قال ابن عطية هنا : إن في الآية دليلا على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق . وفيه نظر « 1 » . وسيأتي في سورة الصافات ما هو الحق ، إن شاء اللّه تعالى . الإشارة : من شأن أهل الكرم والامتنان : المبادرة إلى من أتاهم بالبر والإحسان ؛ إما بقوت الأرواح ، أو بقوت الأشباح . من أتاهم لقوت الأرواح بادروه بإمداد الروح من اليقين والمعرفة ، ومن أتاهم لقوت الأشباح بادروه بالطعام والشراب ، كلا ما يليق به ، ومن شأن الضيف اللبيب المبادرة إلى أكل ما قدم إليه ، من غير اختيار ، إلا لمانع شرعي أو عادى . ومن شأن أهل التحقيق والتصديق ألا يتعجبوا مما يظهر من القدرة من الخوارق ؛ إذ القدرة صالحة لكل شئ ، حاكمة على كل شئ ، هي تحكم على العادة ، لا العادة تحكم عليها . وهذا شأن الصديقين ؛ لا يتعجبون من شئ ؛ ولا يستغربون شيئا ، ولذلك توجه الإنكار إلى سارة من الملائكة ، ولم يتوجه إلى مريم ؛ حيث سألت ؛ استفهاما ، ولم تتعجب ، ووصفت بالصديقية دون سارة . واللّه تعالى أعلم . ولما تحقق إبراهيم عليه السّلام بهلاك قوم لوط أسف عليهم ، كما قال تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 74 إلى 76 ] فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ( 74 ) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ( 75 ) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ( 76 )
--> ( 1 ) راجع ، مع تقريرنا بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السّلام .